بما اننا بقينا فى سنة عشرين عشرة خلاص .....بحب اقول لمدونتى كل سنة وانتى طيبة
دخلتى معايا سنة جديدة ......ويارب تكون سنة حلوة ....سعيدة .....
بحب اهديكى مقال فهمى هويدى (المصريون الجدد)

لا نستطيع أن نطوى صفحة عام 2009 دون أن نتوقف عند ظاهرة «المصريين الجدد»، التى طفت على سطح المجتمع المصرى. وتجلت شواهدها فى مواقف عدة على مدار العام، ورأيناها واضحة القسمات فى خواتيمه.
(
1) بعض الذين تابعوا الأصداء المفجعة لمباراة مصر والجزائر وموقف الإعلام والأبواق الرسمية من السور الفولاذى المزمع إقامته بين مصر وغزة، لم يشعروا بالحزن والخجل فحسب. لكنهم شعروا بالغربة أيضا. وكنت واحدا من هؤلاء.
إذ لم أصدق ما رأيت وقرأت وسمعت. فكتبت متسائلا عما إذا كانت تلك مصر التى نعرفها، أم أنها مصر أخرى غير التى عرفناها. لم يكن استثناء ذلك الخطاب المسموم الذى ملأ الأجواء فى هاتين المناسبتين، بما استصحبه من هجوم جارح على ما ظنناه ثوابت فى الإدراك المصرى، سواء فيما خص انتماء مصر العربى، أو الدفاع عن القضية الفلسطينية المركزية والانحياز إلى صف المقاومة فى وجه العدو الصهيونى.
وإنما أزعم أن خطاب التسميم الذى استهدف قطع العلائق مع منظومة القيم والمبادئ السياسية التى استقرت فى الوجدان المصرى حينا من الدهر، قد شاع خلال السنوات الأخيرة. وترتب على استمراره وتواصل حلقاته أنه أحدث تأثيره السلبى فى بعض شرائح المجتمع، والمنتمون إلى تلك الشرائح هم الذين أعتبرهم نماذج للمصريين الجدد.
هذه الخلفية تسوغ لى أن أعرف المصريين الجدد بأنهم أولئك النفر من الناس الذين أصبحوا يتبنون أفكارا ورؤى سنوات الانكسار والانحسار، التى تتناقض مع منظومة قيم سنوات الصعود والمد. هم يقينا ليسوا كل المصريين، ولا أغلبهم ولكنهم قشرة برزت على السطح خلال السنوات الأخيرة، وصار لها صوت مسموع تكفلت وسائل الإعلام المؤثرة بتعميمه، الأمر الذى فرض لهم حضورا فى الساحة المصرية، الصوت فيه أكبر من الصورة.
لقد قرأنا فى التاريخ الأمريكى عن «الهنود الجدد»، أحفاد الهنود الحمر الذين غسل المستوطنون الإنجليز أدمغتهم بعد اجتياح بلادهم فى القرن السابع عشر، واستهدفوا اقتلاع جذورهم وتحويلهم إلى كائنات مشوهة تخلت عن انتمائها الأصلى، وأصبحت تتنكر لذلك الانتماء وتخجل منه.
من هذه التجربة استلهمت ما كتبته فى وقت سابق عن «الفلسطينيين الجدد»، الذين تحدث عنهم الجنرال الأمريكى دايتون، وهم عناصر الأمن الذين يقوم الأمريكيون بتأهيلهم وتدريبهم على أن إسرائيل هى الصديق والمقاومة هى العدو!
(لا تنس أن بعض رموز السلطة وبعض المسئولين العرب أصبحوا مقتنعين بذلك). ذلك كله تداعى عندى حين وقعت ذات مرة على مصطلح «المصريين الجدد» فى نص كتبته فتاة من الجيل المتمرد هى نوارة أحمد فؤاد نجم، وأطلقته على الشبان الذين يتحرشون بالفتيات فى الشوارع، إذ وجدت أن المصطلح يصلح عنوانا لمجمل التحولات التى شهدها الواقع المصرى فى السنوات الأخيرة، فى المجالات الاجتماعية فضلا عن الثقافية والسياسية.
(2) لقد رصد بعض أساتذة التربية وعلم الاجتماع مؤشرات التراجع فى منظومة القيم الاجتماعية، وخلصوا إلى أن قيما سلبية مثل المظهرية والفهلوة والاعتماد على الحظ والوساطة والسمسرة. تفوقت على قيم التفوق والكد والاتقان والوفاء بالوعد واحترام طابور الوقوف.
فى ذات الوقت فإننى لم أسمع عن جهد بذل لرصد مؤشرات التحول فى منظومة القيم السياسية والوطنية. وشاركنى فى ذلك الانطباع بعض من أعرفهم من أساتذة العلوم السياسية. ولأن الأمر كذلك، فليس بمقدورى تحديد حجم ظاهرة «المصريين الجدد»، ولا قياس مواقفها إزاء مختلف العناوين.
وليس أمامى سوى الاعتماد على الملاحظات الشخصية التى خلصت إليها من خلال المعايشة والمتابعة المستمرة لتجليات الخطاب السياسى والإعلامى فى مختلف منابره.
لذلك أسجل مقدما أن شهادتى فى هذا الصدد اعتمدت على الاستقراء بأكثر مما استندت إلى أدوات البحث الأكاديمى المتعارف عليها. ولكى أستكمل شرح الفكرة وأضعها فى الإطار الذى يساعد على استيعابها فإننى ألفت النظر إلى ثلاثة أمور هى: ــ
إن ظاهرة المصريين الجدد لم تولد فى العام الذى انقضى، وإنما هى تشكلت بالتراكم الذى تتابع خلال السنوات الأخيرة، وتبلورت بصورة أكثر وضوحا فى عام 2009، وأبرزتها التى شهدتها البلاد وسبقت الإشارة إليها. ــ
إن الأفكار التى زعمت أنها تتناقض مع منظومة القيم التى توافقت عليها الجماعة الوطنية المصرية لم تنشأ خلال السنوات الأخيرة، ولكن كان لها دعاتها والمبشرون بها فى مصر منذ عشرينيات القرن الماضى. إذ كان هناك مخاصمون للعروبة ومتعصبون للمصرية ونافرون من الإسلام وموالون للإنجليز...إلخ
. كل هؤلاء كانوا موجودين، ولكنهم ظلوا أصواتا شاذة لا أرضية لها، عبر عنها بعض المثقفين، وكان موقف السلطة محايدا فى أغلب الأحيان، ومنحازا إلى موقف الجماعة الوطنية فى بعض الأحيان. لكن الأمر اختلف الآن من زاويتين.
الأولى أن مصر فى السنوات الأخيرة دخلت مرحلة «اللامشروع»، الأمر الذى أحدث خللا شديدا فى منظومة القيم السياسية السائدة، وبدا فى بعض الأحيان أنها فقدت حيادها خصوصا بعد اتفاقيات كامب ديفيد «1979». المتغير الثانى أن ثورة الاتصال أتاحت لتلك الأصوات الشاذة فرصة الانتشار فى بعض الدوائر. ساعد على ذلك أن نفرا من أصحابها تبنتهم السلطة ومكنتهم من بعض مواقع التوجيه والتأثير فى المجالين الثقافى والإعلامى.
ــ إن تلك القشرة التى طفت على سطح الحياة المصرية ضمت ثلاث فئات: مجموعات من المواطنين الأبرياء الذين لم يعيشوا ولم يعرفوا سنوات الصعود والمد.
ولأنه لم تتوافر لهم لا حصانات ولا خلفيات كافية، فإن إدراكهم تشكل متأثرا بالتوجيه الإعلامى السائد والبث التليفزيونى الذى يعبر عن السياسات المعتمدة. الفئة الثانية هم أصحاب المصالح الذين ارتبط مصيرهم بالنظام القائم وسياساته. فتبنوا كل أطروحاته وروجوا لها. الفئة الثالثة ضمت نفرا من المثقفين والسياسيين الذين احترفوا العمل العام.
واستثمروا أجواء الالتباس والفراغ لتصفية حساباتهم الخاصة إزاء التوجهات الفكرية الأخرى، وفى المقدمة منهم أصحاب التوجه القومى والإسلامى.
(3) لا أبالغ إذا قلت إن ركائز منظومة القيم التى شكلت إدراك الجماعة الوطنية فى مصر، جرى انتهاكها أو تفريغها من مضمونها فى خطاب أولئك المصريين الجدد. وليس بعيدا عن أذهاننا ذلك الهجوم البائس الذى تعرض له الانتماء العربى خلال الاشتباك الإعلامى الذى أفضت إليه مباراة مصر والجزائر. إذ خلاله تبنت بعض الكتابات والأبواق الإعلامية لغة اتسمت بالاستعلاء والعنصرية.
حتى وجدنا برامج تليفزيوينة يومية ظلت تلح على إثارة النفور من العرب والعروبة. ذلك حدث أيضا مع التوجه الإسلامى الذى صار يجرح فى وسائل الإعلام بجرأة ملحوظة، ويصور بحسبانه نفيا للآخر ونقيضا للتقدم والمواطنة والدولة المدنية.
أما الوحدة العربية فقد غدت محلا للسخرية والتندر. ومقاومة الاحتلال الإسرائيلى والهيمنة الأمريكية صارت تهمة تصنف أصحابها فى قوائم المتطرفين والإرهابيين، فى حين أن مقاطعة إسرائيل (التى تدعو إليها بعض المؤسسات الغربية) صارت نوعا من التشدد المستهجن.
وفى هذه الأجواء لا تسأل عن موقع حركة التحرر الوطنى أو القومية العربية أو عدم الانحياز. بل إن مفاهيم مثل الاستقلال والأمن الوطنى تعرضت للتشويه والابتذال. فما عادت القواعد الأجنبية سبَّة، ولا اعتبر التحالف الإستراتيجى مع الولايات المتحدة متعارضا مع الاستقلال.
بل إن إقامة الجدار الفولاذى الذى يحكم الحصار حول غزة صدرت بحسبانها من مقتضيات الدفاع عن الأمن الوطنى.
قضية فلسطين كانت ضحية هذه الأجواء. وليت الأمر وقف عند حد تراجع أولويتها، وهى التى كانت «قضية مركزية» يوما ما. لأن رياح التسميم زرعت بذور الحساسية فى الأوساط التى أعنيها إزاء الشعب الفلسطينى ذاته. وأشاعت قدرا لا يستهان به من عدم الاكتراث بمعاناته أو مصيره عند البعض، وقدرا مماثلا من الإدانة والاتهام عند البعض الآخر.
(4) البديل الذى طرح بعد التحلل من كل ما سبق كان شعار «حب مصر». الذى برز فى الأفق بعد أحداث مباراة الجزائر، وأصبحت نداءاته وأصداؤه تغطى جدران المدن الكبرى. وليس لدى ما يثبت أن دغدغة المشاعر الوطنية لدى المصريين بهذا الأسلوب فى نهاية العام كانت أمرا قصد به تتويج الانقلاب الذى حدث فى منظومة القيم السياسية.
مع ذلك فلابد أن يثير اهتمامنا ذلك التتابع بين الانخلاع أو الانسحاب المتدرج من ساحة الاهتمامات الكبرى وثيقة الصلة بأشواق الأمة، وبين الانكفاء على الذات الذى جسده فى البداية شعار «مصر أولا». يستوقفنا أيضا فى هذا الصدد أن استنهاض الهمة الوطنية تم فى أعقاب حدث المباراة البائسة، وكان زميلنا الأستاذ هانى شكر الله دقيقا فى وصفها بأنها «وطنية كروية»، لا تحتاج إلى مواطنين وإنما تكتفى بالمشجعين فقط!
الوطنية التى تم استدعاؤها لكى تلبى أشواق المصريين جرى ابتذالها بشكل محزن. إذ لم تستدع لكى تستنهض همة المصريين فى الدفاع عن حريتهم وكرامتهم وشرف وطنهم، وحقهم فى مقاومة الفساد والاستبداد، وإنما أطلقت لتأكيد التفاف المصريين حول المنتخب القومى لكرة القدم. وهو ما عبرت عنه لافتة كبيرة رفعت فوق أهم جسر فى قلب القاهرة، ظهر عليها علم مصر، وكتبت عليه العبارة التالية: ليس المهم أن نكسب كأس العالم ولكن الأهم صورتنا أمام العالم(!)
ـ وقد استثمر رجال الأعمال تلك الأجواء بشتى الطرق. وكنت قد أشرت فى الأسبوع الماضى إلى الإعلان التليفزيونى الذى ظهر فيه بعض الشبان وهم يهتفون بصوت عال منادين مصر ـ مصر، وجاءت الاستجابة فى لقطة تالية ظهر فيها مشروب معلب لإحدى شركات المياه الغازية، كذلك فإنهم تنافسوا فى تعليق اللافتات التى رسم عليها علم مصر، وصيغت عليه عبارات الاعتزاز والفخر بالانتماء للبلد، ممهورة باسم الشركة المسجل فى البورصة. فى أداء لم يختلف كثيرا عن القصة التى تروى عن رجل أرمنى نشر إعلانا أبلغ به الكافة بأنه ينعى ولده ويصلح الساعات!
تستحق الرصد ولا تستدعى القلق ظاهرة المصريين الجدد الذين ما كان لنا أن نذكرهم إلا لأن المنابر الإعلامية التى مكنوا منها أثبتت لهم حضورا أكبر كثيرا من حجمهم الحقيقى. ذلك أن المصريين الحقيقيين، الأصلاء والقابضين على قيم الانتماء والعزة، لا يزالون ثابتين على الأرض. ترى حشودهم فى المظاهرات والمسيرات الغاضبة التى تخرج دفاعا عن الأمة والوطن.
وتلمس جهودهم فى حملات التضامن والتبرع ونصرة الفلسطينيين المحاصرين. وتقرأ تعليقاتهم على مختلف مواقع شبكة الإنترنت. ورغم أنهم لا يملكون المنابر والأبواق التى أتيحت لغيرهم، وكثيرا ما يتعرضون للتعتيم والقمع، فإنهم يمثلون كتلة الأغلبية الصامتة والصابرة التى ينبغى أن يراهن عليها فى المستقبل، لأنه لا يصح إلا الصحيح.
أما إذا سألتنى لماذا والأمر كذلك شغلتنا بأمر أولئك المصريين الجدد؟ فردى أننى أردت «إثبات الحالة» لا أكثر، بعدما وجدت أنها سقطت من عروض دفتر أحوال العام.
بس خلاص ...نو كومنت
بس خلاص ...نو كومنت
