من منا لم يشاهد مسلسل "جرايز أناتومي"؟! ذلك المسلسل الشهير الذي بدأ عرضه في 2005 في أمريكا في نفس وقت عرضه مع مصر من خلال قناة كانت تبث للمشاهدين في مصر لمدة ساعة واحدة، أما من السابعة للثامنة أو من الثامنة للتاسعة مساء.. حسب التوقيت الشتوي. للأسف في ذلك التوقيت لم يكن بيتنا الصغير عرف الريسفير، لذا كنت حريصة على متابعة تلك القناة!
المسلسل كان بيحكي حياة مجموعة من الأطباء المتدربين في مستشفى "سياتل جريس" خلال 10 مواسم على مدار10 سنين (مستمر حتى الآن) شهرة المسلسل إنه مش مجرد مسلسل طبي بيعرض معلومات طبية مهمة أو أحداث تشويقية للمشاهد، لكن تفاصيله الإنسانية الصغيرة في حياة كل طبيب في المستشفى، اللي كل منهم بيمثّل بطل في حد ذاته، "ميرديث" بطلة المسلسل القادمة لكي تحقق نفسها كجراحة استكمالاً لحلم والدتها الجراحة الشهيرة، "ديريك" جراح الأعصاب الشهير بالمستشفى والمتفاني في عمله والذي يحاول إخفاء سبب عمله بالمستشفى أنه هرب من ذكريات خيانة زوجته، "كريستينا يانغ" الطبيبة ذات الملامح الآسيوية الطموحة التي قد تتخلى عن كل شيء بما في ذلك مشاعرها، أملاً في أن تصبح مشهورة في عملها كجراحة.. "جورج" الحنون الذي يساعد الجميع حتى لو كان ذلك على حساب نفسه، "إيزي" تلك الفتاة المرحة والطبيبة الماهرة التي تخفي جنونها وحبها للحياة وراء مظهرها المتحفّظ كطبيبة، وغيرها من الشخصيات التي يكون الرابط بينها جميعًا هي لحظات -مثل لحظات الحب، الخوف، الألم، فقدان عزيز، الاستسلام، الجنون، الخجل، الضعف، الهزيمة، الغيرة والتي نحاول جميعًا أن نستميت على إخفائها قدر الإمكان عن أعين من حولنا في حياتنا العادية وخصوصًا أحبائنا.
أكثر مشهد في مسلسل "جرايز أناتومي" ما زلت أختزن كل تفاصيله في ذاكرتي هو مشهد "ميرديث" تجلس بجانب "جورج" في المستشفى ترتدي ملابسها المعتادة كطبيبة متدربة ولكن تظهر في عينيها نظرة حزن شديد عندما لم تستطع اجتياز أحد الاختبارات المهمة التي ستساهم في بقائها في المستشفى، ويجلس بجانبها "جورج" ليواسيها بالرغم من أنه يعلم جيدًا أنه أيضًا سيفشل في ذلك الامتحان وتقول له ببساطتها المعهودة: أحيانًا علينا أن نوقف قطار حياتنا.. وأن نقف على المحطة في حالة انتظار.. أرى الجميع يسيرون بقطاراتهم.. أما أنا فأرى محطات حياتي الماضية فقط!
ما زلت أتذكر هذا المشهد -رغم مرور 7 سنوات تقريبًا- مع كل اختبار مؤلم تجبرني الحياة على المرور به، أحيانًا نشعر بذلك الوجع المُر الذي نعتقد معه أنه نهاية العالم وأننا غادرنا قطار الحياة الخاص بنا.. وصرنا نجلس في صالة المتفرجين نبكي ونشاهد جميع قطارات من حولنا وهم يتقدمون في حياتهم بسعادة.. ولكن هل هذا صحيح؟!
الحقيقة.. أنه بعد كل اختبار وألم يمر به الإنسان.. من فقدان عزيز أو حبيب أو هزيمة أو خسارة.. فإنه يصاب بذلك الغشاء الرقيق الذي يجعله ينعزل تلقائيًا عما حوله، لا يُرى منه سوى حزنه.. يعتقد أنها نهاية العالم.. وأن قطار حياته توقف إلى الأبد.. ولكن ذلك الغشاء الرقيق يكون بمثابة شرنقة جديدة -كهدية ربانية- تساعدنا على ترتيب حسابتنا وأولوياتنا للبدء من جديد.. على معرفة من بجانبنا ومن خذلنا.. بل أحيانًا تساعدنا على معرفة ذواتنا بشكل أصدق.. فننطلق بقطار حياتنا مجددًا وقد بانت معالم الحياة أكثر وأكثر.
في النهاية "ميرديث" استطاعت التغلب على مرارة فشلها وثابرت في عملها حتى نجحت في أن تثبت نفسها في المستشفى كطبيبة، بل تزوجت "ديريك " وأنجبت منه أطفال.. لتثبت أن قطار الحياة لا يتوقف!
بقلم : إنجي الطوخي

بقلم : إنجي الطوخي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق