السبت، 11 أبريل 2015

ماذا فعلتم بنا يا أبى ؟



ماذا فعلتم بنا يا أبى ؟

http://yanair.net/archives/12375
فى البداية ملحوظة صغيرة :تعلم أننى أحبك كثيرا يا أبى فلولاك ما كنت أنا ..
المكان : بيتنا الصغير فى أحد محافظات القاهرة الكبرى
الزمان : 2002
كان أبى يجلس على مكتبه الصغير ليلا يستمع إلى إحدى أغنيات الست لتؤنس وحشته خلال عمله ..ثم أغنية لعبد الحليم حافظ ” حكاية شعب ” ..عندها أنطلقت مثل الصاروخ أنا بالسؤال
: بابا أنا كان نفسى أعيش فى زمن عبد الناصر
أبى :ليه ؟
أنا : كان عنده حلم كبير لمصروالبلداتقدمت على ايده ، والناس كده تحس أن ليها كرامة ..وكان كل العرب متحدين مع بعض ( الكلام لفتاة عمرها 12 عام ) ..شايف إنت الأغاني اللي كانت على أيامهم كلها حماس وقوة .
أبى : ممكن .. بس فى الوقت نفسه مكنش في حرية ،مفيش أحزاب،محدش يقدر يقول لا ، واللى كان زوار الفجر بياخدوه مكناش بنشوفه تانى ..وعلى فكرة على أيامه كانوا كتير…والناس اللى بتروح المعتقلات مش بنسأل عنها …أنا بحترمه وبس
صمت تام ..ثم أنا بصوت عنيد : بس برضه أنا بحب ناصر ..
…..
المشهد الثانى :
المكان : بيتنا الصغير
الزمان: بداية عام 2011
أنا : شوفت يا بابا فى راجل حرق نفسه أدام مجلس الشعب زي اللي حصل فى تونس ..عقبالنا أما يكون فى ثورة
أبى : وبعد ما يبقى فى ثورة ..
أنا : هنغير البلد
أبى : أنتوا جيل متمرد …عايزين فكرة التغيير لمجرد التغيير مش باصين لمصلحة البلد ..مش مقدرين نعمة الاستقرار
أنا بصوت عنيد:وماله ؟!
….
المشهد الثالث :
المكان : أمام شاشة التليفزيون فى بيتنا الصغير
الزمان : أواخر عام 2012
التليفزيون يذيع التعديلات الدستورية التى أقرها الرئيس المعزول الأسبق محمد مرسى
ينظر أبى بسخرية للتليفزيون ثم يأتى بأحد القنوات التى تذيع الاشتباكات أمام قصر الاتحادية ثم يقول وقد ملأت وجهه نظره إلم وغضب : غيرتوا البلد أنت وجيلك؟!
أنا : كل حاجة ولها تمن وأحنا مش مع اللى بيحصل دلوقتى ولا اللى عمله مرسى .
أبى : كل حاجة ليها تمن وذنب البلد إيه معاكوا ..هتضيعوها وتضيعونا معاكوا
أنا : يا بابا أى ثورة نتايجها مش بتظهرعالطول ..وكمان اللى عمله مرسى الناس مش هتسكت عليه .
أبى : آه بقى.. ونعيده تانى …نفس الكلمة اللى قولتيها – الناس مش هتسكت – لما الناس ماتت فى محمد محمود السنة اللى فاتت ..الناس مش هتسكت على اللى بيعمله العسكرى .. ونفس الكلمة لما الناس ماتت فى ماسبيرو ،ونفس الكلمة اللى قولتيها لما النشرات ذاعت أن الناس بتموت أدام مجلس الوزراء ..ونفس الكلمة قولتيها لما الناس ماتت تاني في محمد محمود الشهر اللى فات …مش كفاية بقى
أنا : يا بابا ..
أبى (مقاطعا): بس…. أنتوا لا عملتوا تغيير ولا غيره ..وجيلكوا ده هيودى البلد فى داهية..
أنا :يا بابا
أبى (مقاطعا) مرة أخرى: كانت البلد ماشية وحالها ماشى …إيه اللى استفدناه من جيلكوا غير تعب القلب والبهدلة فى آخر زمانا ….
المشهد الرابع :
المكان : فى طريق العودة فى أحد الباصات الحكومية من الهرم
الزمان: 14 يناير 2014
الناس تملأ الشوارع ترقص على أنغام تسلم الأيادى ، وتلتقط الصور ، يطلقون الألعاب النارية التى أضاءت السماء ليلا حتى تكاد تنافس الشمس فى ضيائها … احتفالا بالاستفتاء على الدستور معظمهم من كبار السن ممن تجاوزوت أعمارهم الأربعينات والخمسينيات معهم أطفالهم الصغار ..لا يوجد شباب إلا نادرا
الراديو فى الباص يذيع أغنية ” حكاية شعب ” لعبد الحليم حافظ ..وفى البيت يخبرنا أبي أنه قام بالتصويت فى الاستفتاء بنعم ..أملا فى الحفاظ على الاستقرار…بل وشجع معظم أصدقائه ممن تجاوزت أعمارهم الـ50 عاما للتصويت بنعم ..يسألنى عن إذا ما كنت قمت بالتصويت ، فأخبره أننى لم أصوت من الأساس :الدستور ده مش بتاع جيلنا ..مش هيحقق لنا ثورتنا ؟!
ليرد على أبى بنظرة ملتهبة إلي : ليه ؟ حلمك اتحقق وإنتي عايشة دولقتى زمن عبد الناصر !!

المشهد الخامس : والأخير
المكان : بيتنا الصغير
الزمان : أصبحت الأيام تشبه بعضها .. ولكنه كما تظهر فى النتيجة صباح يوم ثلاثاء ما
أكتب كلمات أحاول التعبير بها لأبي ..عما فعله هو وجيله في جيلنا :
لم نرد سوى التغيير يا أبي.. لم نرد سوى التغيير…
لماذا يا أبي؟ …لماذا فعلتم بنا ذلك؟ …لماذا قررتم رسم مصيرنا؟ …ونسيتم أنه حقنا؟ ..إن لم تكفله دولتكم بنظامها …تكفله الطبيعة وقوانينها ..التى تؤكد أنه لكل جيل أحلامه ..لكل جيل حق اختيار مصيره …لماذا يا أبى قررتم وأد ثورتنا؟ …لماذا تأخذون قرارا بالنيابة عن جيل كامل؟ ..وأنتم تعلمون جيدا أنه وحده من سيتحمل النتائج …لماذا يا ابى ؟!
لم نرد سوى التغيير يا أبى …لم نرد سوى أن نستيقظ صباحا فنأخذ نفسا عميقا ..به أكسجين وهيدروجين حرية …لم نرد سوى أن تتحقق العدالة الاجتماعية فيكون ابن البواب القريب من بيتنا له نفس حقوق ابن وكيل الوزراة جارنا …لم نرد الفوضى أو التدمير كما تتهمونا ..بل أردنا إزالة هالة التراب التى غطت وجه الجميلة مصر ..لم نكن يوما خونة أو عملاء كما يرانا جيلكم يا أبى …لسنا مأجورين ..ولكننا سأمنا الذل والإهانة …كرهنا الخوف …مقتنا الظلم والجين ..لم نعد قادرين على تحمله ..كما تحملتم أنتم ..لا لسنا جيل يمشى جنب الحيط يا أبى ..بل نحن نريد صنع مستقبلنا بأنفسنا ..أن لم يكن لنا ..فلأطفالنا فما ذنبهم فيما صنع ويصنع أجدادهم ..أجدادهم الذين مازالوا يعيشون على وهم انتظار المحارب المخلص القوي الذي يحمل عنهم ألامهم ويحقق عنهم أحلامهم ..مازالوا واهمين بأن الاستقرار هو أن تقبل كافة ما تأباه الأنسانية فقط لكى تحافظ على رمق الحياة فى جنبات الجسد ..ولكنه ميت أكلينكيا منذ 60 عاما …
حقا ماذا فعلتم بنا يا أبى ؟!…

ليست هناك تعليقات: