الثلاثاء، 16 فبراير 2016

وإن سألوك عن 25 يناير؟..قل: لا لم تكن ذكرى

وإن سألوك عن 25 يناير؟..قل: لا لم تكن ذكرى
 
"ساعات أقوم الصبح قلبي حزين
أطل بره الباب .. ياخدني الحنين"
يقولون عنكِ "ذكرى"، ولكنني لا أدرى عن أي ذكرى يتحدثون، فلا يزال الشعور بالخرطوش الذي مر بجانب أذني بفارق سنتيمتر واحد وكاد يدخل جسدي موجود..

بل إن مشهد الناس وهم يركضون، بينما قسم شبرا تتصاعد منه النيران، وذلك الشاب المجهول يخرج منه رافعا بيده الكثير من الأوراق، لا يزال في ذهني.

لا يزال شكل أمين الشرطة الذى وقف على الكوبرى فى شبرا وهو يطلق النيران، بينما الناس تحته تركض يمينا ويسارا لتجنب طلقاته، ماثلٌ بداخلي. وعلى بعد أمتار منه، كانت هناك محطة القطار التي كنت أراها لأول مرة في حياتي مدمرةٌ تماما وكل شيء ملقى في الشارع، وذلك "الكاوتش" يحترق ببساطة..

عن أي ذكرى يتحدثون؟! هل حكيت لك عن مرحلة البكاء التي شعرت بها وقتها بعد أن انقطعت بي السبل في الوصول إلى بيتي، والكيلومترات العشرة التي قطعتها سيرا، واضطراري إلى المكوث عند أحد أقاربي بعيدا عن أهلي لأول مرة في حياتي حتى الأول من فبراير، وخوفنا من الخروج بسبب الاشتباكات التي تدور بالقرب منا..

لستِ ذكرى، بل تفرضين نفسك فرضا. في أشد الأوقات فرحة أو حزن، تظهرين لتطرحي هذا السؤال.. وماذا بعد؟! هل انتهى بعد مرور خمس سنوات كل شئ؟!

"لسه الطيور بتفن ..
والنحليات بتطن والطفل ضحكه يرن مع إن ..
مش كل البشر فرحانين"

خمس سنوات مرت، والحياة لم تتوقف فيها، مظاهر الفرح والصخب والحزن والجنون يمكن رؤيتها بوضوح في ضواحي العاصمة ومحافظات أخرى. خمس سنوات تمر، وتلك الندبة في روحي أحاول أن أخفيها عن الجميع بالسخرية تارة، وبالصمت تارة أخرى. في الحقيقة، تلك الندبة ليست لدى أنا وحدى، بل لكل من قرر النزول إلى الميدان في ذلك اليوم. وفي الأيام التالية، هناك ندبة صغيرة يمكن رؤيتها بوضوح عند كل من شاهد ما حدث في تلك الأيام، ونادى بشعار "ارحل" في البداية.. ثم غير شعاره إلى "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية".

هل أخبرك بمكونات تلك الندبة؟ هي الأمل المخلوط بالرغبة فى التغيير، المعجون بماء أنه: "كفى صمتا ثلاثين عاما"، مرويّة بشعور أننا يجب أن نحظى بحياة أفضل!

"حبيبي سكر مر طعم الهوي
فرق ما بينا البين ما عدناش سوا"

يقولون عنكِ ذكرى، لا أعرف كيف؟ وهناك هذا الحب الذي أراه في أعين كثيرة تجاهك، إذا سألتني عن سر معرفتي بالأمر. سأرد عليك بالصور المزينة بالشارة السوداء والتي علقتها الأمهات، لمن استشهد من أبنائهن وأزواجهن، في هؤلاء الرجال الذين فقدوا اطرافهم أو أعينهم، دون أن يختلج في قلوبهم لحظة ندم واحدة.. في هؤلاء الشباب الذي توقف زمنهم عند 25 يناير ولم يتزحزح قيد أنملة، ويريدون استكمال ما بدأوه.. ولكن "فرق بينكم البين"!

"آدي اللي كان.. وآدي القدر.. وآدي المصير
نودع الماضي.. وحلمه الكبير"

5 سنوات مرت عليكِ وعلى بداية التقويم الجديد لميلادي الحقيقي، انظر لوجهي في المرآة، فأجد  ملامحي قد تغيرت، ولكن نظرة تلك الفتاة التي  دخلت ميدان التحرير يوم 26 يناير 2011 متخفية، لئلا يراها أحد من عائلتها لم تتغير. أو نظرة تلك الفتاة التى اتجهت إلى عملها صباح يوم 29 يناير عقب ما تم تسميته "جمعة الغضب"، رافضة كل التحذيرات، لتلتقط  بعض الصور لك وحتى 11 فبراير. الصور التي تستخدمها كدليل على أن كان هناك "حلم كبير" اجتمع عليه الكل، صورٌ تضعها في مكان خفي حتى لا تراها، فتبكي على ما اعتبره البعض "مؤامرة" أو "ماضٍ" عليك أن تودعه بكل بساطة لأن الحياة تسير..!

"إيه العمل في الوقت ده يا صديق
غير إننا عند افتراق الطريق نبص قدامنا..
على شمس أحلامنا نلقاها بتشق السحاب الغميق"

5 سنوات مرت بالتمام والكامل، ولا يزال هناك طعم حلوى التفاح التى وزعها أحد الباعة فى الميدان  مجانا على الموجودين في فمي، لا يزال ذلك الهواء الحر الذي تنفسته لأول مرة في رئتي.. خمس سنوات، يحاولون فيها "وأدك" بكل شكل ممكن، يحاولون إيهامنا بأنك مجرد ذكرى يا "25 يناير" بأنك مجرد نزوة شباب علينا مفارقتها، وأن "نعقل بقى"! فلا يبقى أمامنا إلا كلمات "صلاح جاهين" وصوت ماجدة الرومي في "مفترق الطرق" وهي تؤكد أنه حتى لو افترقت بنا الطرق علينا مواصلة الطريق، فـ"شمس أحلامنا".. يوما ما "ستشق ذلك السحاب الغميق"

ليست هناك تعليقات: