كتبت/ إنجي الطوخي
http://www.nooun.net/show_article/%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AC%D8%AF%D8%AA%D9%8A/
http://www.nooun.net/show_article/%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AC%D8%AF%D8%AA%D9%8A/
دومًا يجيء ذكرك وسط الحديث
يا جدتي، فأتذكر بيتك القديم برائحته العبقة وهوائه البارد، أشعر فيه براحة
لا أجدها في بيتنا، وكأن روحي تعود إلىّ بمجرد أن أدخل عالمك الصغير.
تصوري رغم السنوات أستطيع أن أصفه لك قطعة قطعة وركن ركن.
أتتذكرين
ماذا كنت أفعل بمجرد دخول غرفتك الصغيرة؟ كنت أفتح خزانتك لأبدأ بعثرتي
لأشيائك، وما أجده من ملابس قديمة لا بد من ارتدائها، ومرة وأنا أبحث في
أحد دواليبك وجدت لافتة لانتخابات عام 1995 عليها صورة لفلاحة -كنت وقتها
خمس سنوات- قررت أن أرتدى مثلها، وخلال رحلة بحثي، كان دولابك كله تبعثر
أرضًا، وعندما بدأتِ تتذمري، غنيت لك أغنيتي المفضلة "في الكتب قرينا.. في
الكتب رأينا.. الكلمة جنب الكلمة.. كلها زي الياسمينا" وضحكتِ، كنت أعلم
أنك ستضحكين.
كنت إذا مللت، دخلت مطبخك الصغير
وأحضرت كل الاطباق وبدأت في إعداد سفرتي الخاصة التي تنتهي دومًا بمشاجرة
منك على ما أثيره من فوضى، كنت كعادتي عنيدة لا أسمع كلامك، وكان ردي "وإيه
يعني؟ سيبني ألعب!" أتعرفين يا جدتي؟ اليوم وبعد أن كبرت أشعر أنني
استيقظت فجأة وكأنني كنت في غفوة.. غفوة بعيدة ولكنها جميلة.. غفوة في
عالمك أنت.
عالم كنتِ تتسوقين أنتِ وأمي وخالتي،
ليس في المولات أو الهايبر ماركت، ولكن في السوق حيث أراكِ تقفين لمجادلة
البائعة على "نص جنيه" تمن ربطة الخضرة.
عالم في شتائه كنت
تتدفئين ليس بالدفيات الكهربية الملونة، بل على الكانون، فتجلسين ونحن
أحفادك حولك وتبدئين فى سرد حكاياتك عن عائلتك، عن حبيبك الذي لم تتزوجيه،
وكنت في سري أقول "ياااه ما إنتي كنتي شقية زيي أهو" ثم تطلبين منا البدء
في سرد الحكايا ونبدأ بالكبير.
عالم كنت فيه
تأتين إلى بيتنا لتمكثي معنا شهرًا، لنجتمع ليس أمام التليفزيون لمشاهدة
برامج التوك شو، بل كنت أنت من يقرر أن يكون هناك توك شو عائلي، نخرج منه
وقد تحدثنا عن أمور الدنيا والآخرة.
أتذكرين عالمك الذي كان يجمعنا مع خالاتي في الأعياد لنلعب ونضحك من قلوبنا؟! أتعرفين؟ لن تعجبك أعيادنا الآن، نحن لا نجتمع إلا لنقرر أين سنقضي العيد، هل في السينما أم في أحد المطاعم؟ والعيد لم يعد ثلاثة أو أربعة أيام، بل صار ثلاث ساعات هي وقت النزهة. أتذكرين كيف كنت أنت وأمى تقرران أن ملابس هذا العام ليست من كارفور أوسيتى ستار بل من صنع يديك، وتحدثين أمي عن الطراز الذي سأرتديه أنا وأخي.
جدتي.. يا ليتني ظللت في غفوتي ولم
أستيقظ.. إنه عالم آخر الآن يا جدتي، عالم ليس فيه كانونك أو أصوافك، بل
كلها أشياء اختزلت الحياة في شاشة كبيرة، تربطني بمن حولي.. شاشة كمبيوتر،
سينما، تليفزيون، موبايل، كلها شاشات تعرض لنا الحياة، نراها دون أن
نمارسها، دون أن نستشعر دفء الحياة.
أمس في وقفة
العيد قررت أن أزورك، وبدأت الذكريات تعاودني كما تعود الطيور لأعشاشها بعد
عناء يوم كامل، تذكرت وأنا في طريقي إليك الدمى التي كنت تصنعينها لي من
القماش، كي أطمئن خلال نومي، لم تكن عرائس باربي أو عرائس صينية، كانت من
صنع يديك، كنتِ تحشيها بالقماش وتقصين بعض خصلاتك ليكون للعروسة ضفائر من
خصلات شعرك الناعم.
هل تعرفين أنه لم يعد هناك
احتفال بالمولد كما كنا زمان؟ كما كنت تصحبيني لنشتري "الذونينة الصغيرة "
و"الزمامير و الطبلة والرق" وكنت تضحكين وأنت تنظرين إلىّ "أهو إنتي كده
تنافسي فرقة حسب الله بذات نفسها"، وكنت تشترين الحصان لأخي وتقولين الحصان
"للولد".
جدتي.. يا ليتني ظللت طفلة صغيرة أرفل
في ثياب عالمك الحقيقي، الذي لم يختزل مشاعر البشر في رسالة موبايل، أو رمز
في الإيميل. جدتي يا شجرتي التي كنت أستظل بها، يا من صاغت أحلامي
بحكاياتها التي لا تنضب، يا من رسمت لي العالم وأنا ما زلت أتعلم المشي
والكلام، صار عالمك الدافئ محيطًا هادرًا لا نسمع فيه أصواتنا، صرنا
كالتماثيل في المتاحف، نمثل أدورانا في الحياة ولا نعيشها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق